ابن الجوزي

205

صفة الصفوة

أبو زرعة قال : كان أبو عبيد البسريّ بعرفة وإلى جانبه ابنه . فقال له : يهنئك الفارس ، فقال له : يا أبه وأيّ فارس ؟ فقال له : ولد لك الساعة غلام ، فلما صرنا إلى بسرى وجدت زوجتي قد ولدت غلاما يوم عرفة . عبد اللّه غلام لأبي عبيد قال : كنت معه يوما قاعدا بدمشق أنا وجماعة من إخوانه ، إذ مر رجل على دابة وخلفه غلام له يعدو ، وقدامه بيده غاشية « 1 » . فلما حاذى أبا عبيد قال : اللهم أعتقني وأرحني منه . ثم قال : ادع اللّه عزّ وجل لي . فقال أبو عبيد : اللهم أعتقه من النار ومن الرقّ . فعثرت الدابة بمولاه فسقط إلى الأرض . فالتفت إلى الغلام وقال له : أنت حر لوجه اللّه عزّ وجل . قال : فرمى بالغاشية إليه وقال : يا مولاي أنت لم تعتقني وإنما أعتقني هؤلاء . فصحب أصحابنا وتوفي بينهم . ابن أبي حسان قال : قال لي أبو عبيد البسريّ يوما : يا أبا حسان ما غمّي ولا أسفي إلا أن يجعلني ممن عفا عنه . فقلت : يا أخي ، الخلق على العفو تذابحوا . فقال : أجل . ولكن أيّ شيء أقبح بشيخ مثلي يوقف غدا بين يدي اللّه عزّ وجل ، فيقال له : شيخ سوء كنت ، اذهب فقد عفوت عنك ؟ [ إنما ] أنا أملي في اللّه عزّ وجل أن يهب لي كل من أحبّني . 771 - أبو بكر الهلالي محمد بن علي الصوري قال : سمعت أبا القاسم الحسن بن عبد اللّه بن أحمد ابن هاشم الشيخ الصالح قال : سمعت أبا بكر الهلالي يقول : من عني بمجاهدة الأسرار اشتغل عن الحكايات والأخبار . وسمعته يقول ، رموا بهممهم إلى أعلى الفضائل ، وضيّعوا الفرائض ، فلا إلى هممهم وصلوا ، ولا قاموا بقليل ما به وكلوا ، ومن قام بقليل ما وكّل به اؤتمن على الكثير ، ومن لم يقم بقليل وما وكّل به لم يؤتمن على قليل ولا كثير .

--> ( 1 ) أي غطاء ، ويعون من جلد ألبس جفن السيف .